هل أنت حُر ؟
حقيقة أفكارك وقناعاتك، وما يحركها خفيةً.
تستوقفني كثيرًا تلك الشخصيات التي تردد بصوتٍ عالٍ مطالبةً بالحرية؛ هذا يريد التخلّص من قوانين المجتمع، وذاك يسعى للفكاك من أفكار العائلة، وآخر غاضب على التشريعات الدينية ويريد التحرر منها. وعندما تسأله: ما هي الحرية؟ يردد بصوتٍ يملؤه الثقة: «أنت حرّ ما لم تضر». لكلٍ منهم وجهة نظر ومفهوم مختلف للحرية، لكنهم جميعًا يلتقون في نقطة واحدة: قناعتهم التامة بأنهم على صواب.
أتذكر جيدًا نفسي قبل بضع سنوات، قبل أن أدرك معنى الحرية بمفهومه الحقيقي، وكيف كنت مشحونةً بالغضب، أرى حريتي في خرق هذا المفهوم وتبنّي ذاك. وتلك التساؤلات والحوارات التي كانت تنعقد بيني وبين رفيقاتي في كل لقاء:
هل نحن مسيّرون أم مخيّرون؟
وتدور الأحاديث بين قناعات اكتسبناها وفق اجتهاداتنا الشخصية في البحث والتأمل. لم يُغلق هذا الباب يومًا، واستمر السؤال يدور في أذهاننا، ويحرّكنا مثل فأرٍ يركض في عجلة الجري بلا كلل ولا ملل.
ألم تتساءل يومًا من أين تأتي أفكارنا؟ ولماذا نقرر أن نختار هذا الخيار دون ذاك؟ ولماذا قد يختلف قرارك اليوم عن قرارك في الموضوع نفسه قبل بضع سنوات؟ إن ما نتعرض له اليوم من أفكار معروضة، سواء في الإعلام أو على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، ما هو إلا إعادة هيكلة وتشكيل لقناعاتك وبرمجتك وفق أنظمة تخدم جهات خارجية. فالإنسان بطبيعته كائن يقوده المعنى، وتحرّكه رغبته الملحّة في الشعور بالسيطرة، وهذه الأيديولوجيات والأنظمة في حقيقتها وهمٌ بارع يقودك دون أن تشعر، ظنًّا منك أنك المسيطر على حياتك وقناعاتك.
ولكن أخيرًا، حان الأوان ليستريح فأرك عزيزي القارئ ففي الوقت الذي تظن فيه أنك حرّ، وقد أحكمت السيطرة على قناعاتك، أو أنك ستصبح كذلك عندما تنبذ عادات مجتمعك، أو طريقة تربيتك، أو حتى الامتثال لأحكام دينك، أنت في حقيقة الأمر لا تغيّر شيئًا إلا انك تخلع نظامًا وترتدي آخر.
وفي الوقت الذي تتخبط فيه بحثًا عن إثبات حريتك، ظانًّا كل الظن أنك قد تنالها، يأتيك القرآن بآية صريحة في سور القيامة آية ٣٦ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾
فلا يمكن للإنسان أن يعيش مثل الحيوانات بلا وعي أو تشريعات وأنظمة، أنت في هذه الحياة كائنٌ مكلّف واعٍ، يعيش ضمن أنظمة لكن العاقل ليس من يحاول خرقها ظنًّا منه أن في ذلك قد كسب حريته، بل العاقل هو من يدرك ما الذي يحرّك أفكاره، وكيف لا يسمح لأي أيديولوجية أو نظام لا يخدمه أن يتحكم به كأداة وأن لا تكون جزءًا من الصورة فقط بل أن تراها من بعيد كاملةً.

بعضهم يعرف الحرية بأنها: عدم الإذعان لغير الذات.
غير أن هذا التعريف يجعل الإنسان تابعًا لهواه، لا متحررًا منه.
وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾.
فكل من اتبع نفسه على هذا المعنى فليس بحرٍّ في الحقيقة،
لأنه ما زال تابعًا، غير أن معبوده لم يعد خارجًا عنه،
بل صار هوى النفس، فجعلها الله إلهًا.
الحرية: هي أن يكون لك الاختيار، وفي نفس الوقت تعلم أنك مسؤول عن اختيارك، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.