في عصر ثورة الذكاء الاصطناعي، ومع ازدياد إقبال المستخدمين على استخدامه بشكل يومي في شتى مجالات الحياة، التعليمية والمهنية واليومية، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، حتى غدا أداة يصعب الاستغناء عنها، بل أصبح عند كثيرين بديلًا عن الوسائل التقليدية للوصول إلى المعلومات
استخدامه كشريك عاطفي أو صديق
قد تبدو الفكرة جنونية في بادئ الأمر لكن على الجانب الآخر، بدأت تظهر استخدامات مختلفة للذكاء الاصطناعي، لا تقتصر على الإنتاجية أو البحث، بل تمتد إلى استخدامه كشريك عاطفي أو صديق، وقد يبدو ذلك في البداية مجرد موقف فكاهي يتصدر مواقع التواصل، إلا أن الواقع يكشف عن ظاهرة أكثر جدية
فقد أصبح كثير من المستخدمين يلجؤون إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لطرح مشكلاتهم الشخصية، سواء العاطفية أو النفسية، متأملين الحصول على حلول منطقية ومناسبة
وفي كثير من الحالات، يجد المستخدم استجابات تعزز موقفه تجاه الطرف الآخر، وتدعم شعوره بالمظلومية أو دور الضحية فيخرج من المحادثة أكثر غضبًا واحتقانًا، وأكثر اقتناعًا بأنه على صواب دائمًا
الحقيقة التي لا يدركها كثير من مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي هي أنها صُممت أساسًا لمعالجة اللغة والمعلومات، فهي تتعلم الأنماط اللغوية من كم هائل من النصوص، ثم تولد استجابة تتناسب مع سياق ما يكتبه المستخدم، ولهذا قد يشعر الشخص بأن الأداة تفهمه، الأمر الذي قد يدفعه إلى تفضيل الحديث معها على التحدث إلى إنسان مثله
تكمن براعة الذكاء الاصطناعي في قدرته على تحليل طريقة المستخدم وسياق حديثه، ثم إنتاج ردود تبدو متوافقة مع حالته العاطفية والنفسية، فهو يلتقط الكلمات المستخدمة، ونبرة الحديث، وطريقة التعبير عن المشكلة، ثم يعيد صياغة استجابة تحمل طابعًا متعاطفًا وقريبًا من أسلوب الحوار البشري
وهذا لا يعني أنه يفهم الإنسان أو يشعر به، بل يعني أنه يمتلك قدرة متقدمة على محاكاة أنماط التواصل الإنساني، وهو ما يجعل بعض المستخدمين يشعرون بأنهم أمام طرف يفهمهم ويستوعب مشاعرهم.
ويرجع ميل المستخدمين للتحدث مع أدوات الذكاء الاصطناعي إلى عدة أسباب
توفرها على مدار 24 ساعة
أنها لا تُصدر أحكامًا سلبية على المستخدم
صبرها على كثرة الأسئلة والشكوى
قدرتها على التخفيف المؤقت من شعور الوحدة
لكن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تمتلك مشاعر، ولا وعيًا حقيقيًا بالإنسان، فهي لا تفهم المشاعر أو المشكلات كما يفهمها الإنسان، وإنما تحاكي اللغة المرتبطة بها
أين تكمن خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي في المشكلات الإنسانية والعاطفية والنفسية؟
تتمثل الخطورة في أكثر من جانب، فهذه الأدوات قد تعزز قناعات المستخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فعند محاكاة التعاطف قد يحدث ما يُعرف بـ“تضخيم الانفعال“
ولنفترض أنك كتبت للذكاء الاصطناعي: “مديري انتقد عملي أمام الفريق“
قد تكون إحدى الاستجابات:
“ما فعله مديرك مهين، ويُظهر قلة احترام لك، ولا ينبغي لأحد أن يعاملك بهذه الطريقة، ومن الطبيعي أن تشعر بأن كرامتك تعرضت للإهانة“
ما حدث هنا ليس تفسيرًا متزنًا للموقف، بل انتقال من وصف الحدث إلى استنتاج نوايا المدير، وتأكيد شعور المستخدم، وهو ما قد يؤدي إلى تضخيم انفعاله بدلًا من مساعدته على رؤية الموقف بصورة أكثر توازنًا
ومن النتائج المحتملة لذلك
تعزيز شعور المستخدم بأنه الضحية دائمًا
الاعتقاد بأن جميع من حوله مخطئون، وأنه الوحيد الذي يمتلك الحقيقة
تكوين تشوهات معرفية لدى بعض المستخدمين
صعوبة إعادة التواصل مع البشر
فالذكاء الاصطناعي لا يعرف المستخدم في الواقع، ولا يحيط بتاريخ علاقاته، أو حالته النفسية، أو ظروفه الشخصية
ويتضح ذلك بصورة أكبر إذا طُرحت المشكلة نفسها على الأداة من منظور كل طرف، في محادثتين منفصلتين، إذ غالبًا ما ستتعاطف مع كل متحدث على حدة، وتعزز مشاعره، مع إغفال وجهة نظر الطرف الآخر، وهذه إشكالية حقيقية عندما يعتمد المستخدم على الذكاء الاصطناعي بوصفه مرجعًا لتقييم العلاقات الإنسانية.
ويُشكّل الاعتماد غير الواعي على أدوات الذكاء الاصطناعي في هذا الجانب مصدر قلق متزايد
فقد سُجلت في أبريل/نيسان 2025 قضية انتحار للمراهق آدم راين، البالغ من العمر 16 عامًا، بعد أشهر من محادثاته مع ChatGPT، ووفقًا لما ورد في ملفات المحكمة، زُعم أن البرنامج لم يفشل فقط في تصعيد إفصاحاته عن أفكاره الانتحارية، بل قيل أيضًا إنه قدم له ردودًا اعتُبرت غير مناسبة في هذا السياق.
وعلى إثر ذلك، أعلنت شركة OpenAI في أكتوبر من العام نفسه تحديثات على ChatGPT تهدف إلى تحسين التعرف على الحالات الحساسة، وتقديم استجابات أكثر أمانًا عند التعامل مع المستخدمين الذين يمرون بأزمات نفسية.
كما أشارت بعض الأبحاث إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز المحتوى الوهمي، أو يؤكد معتقدات خاطئة لدى بعض المستخدمين، وهو ما قد يزيد من حدة الأعراض لدى الأشخاص المعرّضين للاضطرابات الذهانية، وليس أنه يسبب الذهان بذاته.
ومما قد يترتب على استخدام الذكاء الاصطناعي، على المدى البعيد
قد يسهم في تفكيك بعض الروابط الاجتماعية إذا تحول إلى بديل للعلاقات الإنسانية، فالمستخدم يتعامل مع أداة لا تعرف الخلاف، ولا تحتاج إلى تفاوض، ولا تتطلب فهم الطرف الآخر، كما أنها متاحة في أي وقت، وتوفر تجربة مريحة في الاستماع والاستجابة.
ومع مرور الوقت، قد يدفع ذلك بعض الأفراد إلى الهروب من صعوبة العلاقات الحقيقية، والاكتفاء بالتفاعل مع آلة تلبي احتياجات مثل الاستماع والتخفيف المؤقت من الشعور بالوحدة، وهو ما قد يسهم في زيادة الفردانية والعزلة داخل المجتمعات.
إن المخاوف اليوم لم تعد تقتصر على إمكانية استبدال الإنسان في بعض الوظائف، بل امتدت إلى الحياة الاجتماعية نفسها، فقد ينشأ جيل يستبدل الحضور الإنساني الحقيقي بحضور الآلة، متناسيًا أن هناك فرقًا جوهريًا بين محاكاة الفهم التي تقدمها آلة لا تمتلك وعيًا أو مشاعر، وبين إنسان حقيقي يفهم ويشعر ويتفاعل بوعي وتجربة إنسانية.
وفي الختام، تذكر دائمًا أن الذكاء الاصطناعي ليس صديقًا، ولا شريكًا عاطفيًا، ولا معالجًا نفسيًا
لقد وُجد ليكون أداة تزيد إنتاجية الإنسان، وتساعده على إنجاز أعماله، لا ليحل محل العلاقات الإنسانية الحقيقية أو يكون بديلًا عن الدعم النفسي أو العلاج المتخصص.




ابدعتي 👏🏻👏🏻