أعي مرارة الحزن، وأفهمها جيدًا كمن يعرف منزله. أراه في عيون من حولي دون أن ينطقوا بكلمة؛ أراه في انعكاسه في أعينهم الذابلة، وفي رجفة الصوت الخانقة، وفي تلك الكلمات التي لم يستطيعوا لفظها، وفي العجز الذي يحول بينهم وبين شرح حقيقة ألمهم.
في كل مرةٍ رغبوا فيها بالبكاء، كان شيءٌ ما يجثو بثقله على صدورهم، أو حتى في المرات التي أجهشوا فيها بالبكاء حتى شعروا بأن قلوبهم تتقطع ألمًا.
ذلك الحزن الذي ألجمك، يا صديقي، وحال بينك وبين راحة بالك، وهوى بك إلى أعمق هاويةٍ قد عرفتها يومًا. أعرف حزنك الذي شوّه ملامح الحياة في عينيك، وأعرف ذلك اليتيم الذي يبحث عن مأوى في صدرك، وأعرف ذلك اللئيم الذي يعصف بك في إعصارٍ من الأفكار، ويتشبث بك مثل غريقٍ تعلّق بقشّة.
أعرف مرارة ما تشعر به، وأعرف جيدًا أنك ترى أن ما تشعر به لا يُوصف، ولا يمكن أن يشعر به أحدٌ كما تشعر. فتقرر الصمت، والعزلة، والمهرب، والنوم، والهدوء؛ كل شيءٍ إلا الصراخ في وجه العالم لتخبرهم كم هو قاسٍ، بارد، وموجع، يلتهم أحشائك ببطء، ويسرق منك أيام عمرك.
ما أريد قوله لك، يا عزيزي، أنني أشعر بك حتى في صمتك، وأعي تمامًا مرارة الحزن.


