في صباح يومٍ عادي، استيقظت مبكرًا لأستعدّ للروتين المعتاد الذي يملأ أيامي في هذه الفترة. وأثناء استعدادي لمغادرة غرفتي، سمعتُ صوت حمامة تغرّد عند شباك سريري. منذُ بدأ الصيف وأنا أتفادى فتح تلك النافذة، وأكتفي بفتح الأخرى بين الحين والآخر لتهوية الغرفة، لكن هذه المرة شدّني صوت الحمامة، فتسللت ببطء لأفتحها، وما إن فتحتها قليلًا حتى طارت بعيدًا، وانتبهت إلى وجود عُشٍّ لها! وتأكدت أنني سأجد الصغار في الجوار بلا شك. وما إن نظرت إلى الأسفل حتى أكّد ما رأيت ظني؛ فرخا حمامةٍ في الأسفل.
اعتلاني شعورٌ رائع، وعادت إليّ ذكريات الطفولة وقصصي الناجحة والفاشلة في اقتناء الطيور والاعتناء بها. هرعت مسرعةً لأتعرف إليهما عن قرب. كانا بعيدين عن بعضهما ويبدو انهما سقطا من العش الثاء محاولات الطيران، وعندما هممت بحمل أحدهما وجدته مفزوعًا أكثر مما ظننت، فخشيت أن أكون سببًا في زيادة هلعه، وقررت أن أجعل أخاه هو رفيق الصباح.
وفعلًا، عندما حاولت الاقتراب منه لم يكن بنفس الخوف الذي يكتسي ريش أخيه. حملته وذهبت لأعرّفه بأفراد عائلتي، وتجولت به قليلًا في أنحاء الغرفة، في محاولة لمجاراة خيالي بأنني بذلك الفعل أقوم بتعريف الرفيق على الغرفة والمنزل في حال رغب أن يعود للمكوث، ولأخبره بمدى أمان المكان.
أعدته بعد ذلك، وكنت أنظر إلى أخيه ولديّ رغبة مستميتة في أن أمنحه الأمان وأهدئ من روعه قليلًا، فليس جميع البشر متوحشين! أنظر، هذا هو أخاك، لم يحدث له شيء، أم دعه يخبرك هو بذلك عندما أغادر.
وضعته، وغادرت
عدتُ في وقتٍ لاحق من الصباح لأتفقد الصغيرين، وما إن كانت والدتهما قد عادت إليهما أم لا. تسللت ببطء لأجد الأم وصغيرها كثير الهلع عند النافذة! هربت الأم مباشرة، إلا أن الصدمة التي جمّدت أطرافي كانت رأس الصغير وعيناه! رأسه ينزف دمًا!
تجمد الدم في عروقي دون أن أقوم بحركةٍ واحدة. أخذت أحاول أن أنظر عن كثب؛ هل عيناه مثقوبتان؟ يا إلهي! هل يُعقل أن والدته هي من فعلت ذلك؟ ماذا حلّ بهذا الصغير المسكين المرتجف؟ وماذا أفعل؟ رباه، ساعدني.
بعد مضي خمس دقائق، انتبهت أنه يحاول فتح عينيه. الحمد لله يا رب، عيناه سليمتان، وهو يرى. تجرأت بعدها على الحراك لأمسك به وأحاول مساعدته.
وضعته في صندوقٍ مبطن بالقماش ليهدأ من صدمته، والأفكار تتدفق في رأسي. هل سينجو؟ من فعل ذلك؟ هل غرابٌ بائس أراد افتراسه؟ أم أخوه كان الفاعل؟ أم والدته تريد قتله؟
رأتني شقيقتي وأنا أحاول، وأتحدث إلى البيطري هنا، وأبحث على الإنترنت هناك، حتى قالت لي كلمة: «يبدو أن اصابته خطيرة لن يعيش، سيموت قريبًا».
اجتاحني غضبٌ من ذلك النوع العنيد، وقلت في نفسي إنني سأحاول ولن أستسلم، ويجب أن يعيش هذا الصغير، فلربما بعثني الله رحمةً به لأساعده! وليس هذا فحسب، بل سأجعله حيواني الأليف، ولن أجلب قططًا إلى المنزل حتى لا تؤذيه. سأحرص كل الحرص على أن أبدد خوفه، وأزرع الأمان بين جناحيه إلى أن يتعافى، وربما أكثر.
استمرت المحاولات يومًا كاملًا، وفي محاولة لإطعامه أخذت أضع مهروس الشوفان على جانب المنقار فيلتصق به، لكنه فاجأني بحركة رأسه؛ كان يغمض عينيه ويحرك رأسه يمينًا ويسارًا، وكأنه يترجم ذلك الفعل بكلمة: «لا»، ويحاول إبعاد الطعام عن منقاره.
يا إلهي، ما هذا؟ لماذا يرفض الطعام؟
أعدت الكرّة، ووضعت الطعام من الجهة الأخرى من منقاره. افترضت أن الجهة الأخرى سيتقبل الطعام منها، لكنه حرك رأسه بالطريقة نفسها.
عندها شعرت بالحزن ينتشر في صدري. لماذا يفعل ذلك؟ لماذا يرفض المحاولة؟ شعرت أن هذا الطائر الصغير يشعر باليأس، ويرفض أقل مقومات الحياة.
داهمتني مشاعر وأفكار وذكريات ارتبطت بي في إحدى فترات حياتي؛ ذلك اليأس الذي يجرّد قيمة الحياة من عيني أي مخلوق، ويلبسه رداء الضعف والاستسلام.
كنت أتساءل: هل يُعقل أن هزّه لمنقاره بهذه الطريقة كلما وضعت الطعام هو محاولة للرفض، وأنه استسلم لمصيره؟
قمت بتنظيف صندوقٍ جديد وتأمينه، ونقلته إليه بعدما توقفت عن محاولة إطعامه إثر رفضه للطعام، ووضعت بعض الطعام في الصندوق على أمل أن يتناوله.
غادرت الغرفة بعد اتصالٍ طارئ، إلا أن صورة الطائر اليائس لم تغادر عقلي. أخذت أفكر: كيف يمكنني أن أعيده إلى الحياة؟ كيف أبدد يأسه الذي أحكم قيده بدون سلاسل؟ كيف أقاوم صوت أختي وهي تردد جملتها تلك داخل رأسي : «سيموت قريبًا».
انتهيت من العمل الذي اضطررت إلى المغادرة بسببه بعد ساعة، وعدت إلى المنزل لأتفقد طائري. وهذه المرة كنت أفكر بطرق جديدة وأنواع طعام مختلفة بعدما سألت بعض المختصين عن إطعامه.
ولكن ما إن تفقدت الصندوق حتى وجدته متصلبًا عند جدار الصندوق.
عندها حلّ عليّ هدوءٌ، ليس هدوء الراحة، بل هدوء من فشل في محاولاته، هدوء الحزن، هدوءٌ يجيبني ليقول: كانت أختي محقة منذُ البداية، لكنني كنت أرفض الاستسلام.
استسلم طائري الصغير، وغادر الحياة... إلى الوداع
.





سردك يخلي الواحد يندمج وكأنه يعيش الموقف معك عندك قدرة توصفين التفاصيل والمشاعر بطريقة توجع القلب❣️ يأس العصفور لمسني بشكل غريب، كأنه صورة للإنسان إذا استسلم وظن أن الرحمة انقطعت عنه فيرفض حتى اليد اللي جت تنقذه مع أن الحياة أحيانًا تكون باقي مخبية له فرصة تغير كل شيء.
كنت أدور أي سبب يطلع اللي بقلبي، وقصتك كانت السبب. بكيت على هالطير، وبكيت على قلبك الحنون أكثر. الله يحفظ هالقلب.